عماد الدين خليل

42

دراسة في السيرة

فكما علمه الانشقاق الأخلاقي عن الوضع المكي القدرة على الرفض والتمرد ، فقد جاء تغرّبه وعزلته وانقطاعه إمدادا نفسيا باتجاه آخر ، لكنه متمم ، وبدونه لا يمكن لإنسان ما أن يلعب دوره الحاسم الكبير . . إنه إمداد باتجاه الاندماج والاتصال ، بمواجهة رفض الجاهلية والتمرد على قياداتها وأعرافها وسلطاتها . . اندماج بالكون على انفساحه . . بالعالم الجديد الذي جاء لكي ينقل البشرية إليه ، بالنواميس التي سيبعث عما قريب كي يجعل الإنسان في كل مكان وزمان يعود إليها وينسجم في مساراتها المعجزة ، مغادرا مواضعه المنحرفة الخاطئة التي ساقته إليها زعامات جائرة ، وسلطات مستبدة وألوهيات زائفة ، وأعراف وبيئات مليئة بالدنس والوحل والخطيئة ، واتصال - عبر البحث والقلق والتقلب الطويل - بالسلطة الواحدة التي تشرف على الكون وتحرك الإنسان والخلائق في ساحاته الكبرى وفق خرائط غاية في الدقة والإتقان . . اتصال بالمصدر الوحيد للحيوان والأشياء ، بالإرادة التي تنبثق عنها سائر الإرادات وتؤول إليها . . باللّه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . . كان محمد صلى اللّه عليه وسلم إذن يستكمل - دون أن يدري - بناءه النفسي واستعداداته التجريبية وخبراته التي بنتها السنون الطويلة والأعمال التي غطت كل المساحات . . كان يضع - بمشيئة اللّه - اللمسة الأخيرة الحاسمة ، للإنسان الذي سيغدو نبيا عما قريب . . إن عزلة رسولنا وانقطاعه ، واتساع مساحات هذه العزلة والانقطاع ، عكسا إزاء طغيان الجاهلية ، وطردا تجاه يوم الوحي ، كانت بمثابة الإرهاص الأكبر والأخطر والأخير ، في الوقت نفسه ، إلى أن موعد القطاف قد حان ، وأن هذه الشخصية التي ربتها عناية اللّه في مدى أربعين سنة ، قد غدت على استعداد تام للتلقي ، والاتصال المباشر بمبعوث اللّه في آخر حلقة من حلقات تعاليم السماوات للأرض ! ! وإزاء هذا الهكيل المرئي من حياة الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم قبل مبعثه ، يقف عدد من الإشارات والأحداث ، ملفتا الأنظار في ذلك الحين ، وفي كل حين ، إلى أن هذا الإنسان من بين كل الناس ، قد اختير لأداء دور ما ، لإنجاز عمل أو الانقلاب على وضع . . وأن هنالك عناية تفوق كل العنايات واهتماما يتعدى كل الاهتمامات تجاه هذا الإنسان بالذات تمهد له الطريق ، وتسهم إسهاما غيبيا يندّ عن التحليل والتعليل في تكوينه النفسي الذي سيمكنه من أن يكون نبيا عما قريب . . وأن هذه